يحيي بن حمزة العلوي اليمني
174
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
وله في أساليبها اليد البيضاء ، قال أولئك الذين أفلوا فنجمتم ، ورحلوا فأقمتم ، وأبادهم الموت كما علمتم ، وأنتم الطامعون في البقاء بعدهم كما زعمتم ، كلا والله ما أشخصوا لتقروا ، ولا نغصوا لتسروا ولا بد أن تمروا حيث مروا ، فلا تفتنوا بخدع الدنيا ولا تغتروا ، يا أيها الناس ، أسيموا القلوب في رياض الحكم ، وأديموا البحث عن ابيضاض اللمم ، وأطيلوا الاعتبار بانتقاص النعم ، وأجيلوا الأفكار في انقراض الأمم . فانظر إلى موقع قوله تعالى : أُولئِكَ الَّذِينَ [ البقرة : 175 ] وقوله : يا أَيُّهَا النَّاسُ [ البقرة : 21 ] من كلامه لما كانا من آي القرآن ، كيف تميزا تمييز الإبريز ، عن القزدير ، وصارا مع غيرهما من الكلام كالرصاص بالإضافة إلى الإكسير . وقد ساق ابن الجوزي على هذا المساق الذي حكيناه عن ابن الأثير في جعل الآيات طررا في كلامه ، قال في خطبة : يا معدودا مع أهل البصر وهو في العميان ، يا محسوبا مع أهل المشيب وهو في الصبيان ، يسافر بالهوى ، ولا ينزل إلا بجار من خان خل الهوى ، فإن الهوى هوان ، ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ؟ ألم يأن ؟ سار الصالحون وتوقفت ، وجد التائبون وسوفت ، ما يقعدك عن الطريق وقد عرفت ؟ هيهات ! لقد استحكم هذا النسيان ، ألم يأن ؟ للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ؟ ألم يأن ؟ وكم له على هذا الأسلوب من النثر العجيب ، والإغراق في النظم البديع ، ولقد رأيت له مائة فصل على مائة آية من كتاب الله على هذا الأسلوب . وقال في الحريريات : أيها السادر في غلوائه ، السادل ثوب خيلائه ، الجامح في جهالاته ، الجانح إلى خزعبلاته ، إلا تستمر على غيك ، وتستمرئ مرعى بغيك ؟ وحتام تتناهى في زهوك ، ولا تنتهى عن لهوك ، تبارز بمعصيتك ، مالك ناصيتك ، وتجترئ بقبح سيرتك ، على عالم سريرتك ، وتتوارى عن قريبك ، وأنت بمرأى رقيبك ، وتستخفى عن مملوكك ، ولا تخفى خافية على مليكك ، أتظن أن ستنفعك حالك ؟ إذا آن ارتحالك ، ويغنى عنك مالك ، حين توبقك أعمالك ، أو يغنى عنك ندمك ، إذا زلت قدمك . ثم قال : طالما أيقظك الدهر فتناعست ، وجذبك الوعظ فتقاعست ، وحصحص لك الحق فتماريت ، وأذكرك الموت فتناسيت ، وأمكنك أن تؤاسى فما آسيت ، تأمر بالعرف وتنتهك حماه ، وتنهى عن المنكر ولا تتحاماه ، وتزحزح عن الظلم ثم تغشاه ، وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه . ولقد ختم كلامه بأحسن ختام ، حيث جعل الآية منتهى له ، فتم أي تمام . وفيما ذكرناه كفاية في مقدار عرضنا من التنبيه على مواقع البلاغة في كلام الفصحاء مثل واصل ، والجاحظ ، وغيرهما ، ممن له فيها الحظ الوافر .